ما السر وراء النشاط المفرط لطفلك؟

هناك الكثير من المشكلات السلوكية والتعليمية التي يعاني منها الأطفال احتار العلماء في تفسير أسبابها، لكن هناك نظريات جديدة تقدم لنا بعض هذه الأسباب ولعلها تنجح في إيجاد السبل الكفيلة بحل هذه المشكلات.
أصبح لكل مشكلة من مشاكل التعلم أو السلوك مسميات مختلفة، ونسمع الآن عن تشخيص نقص الانتباه ADD ونسمع عن اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط ADHD وينتهي الأمر بالأطفال الذين يعانون من هذه الحالات إلى العلاج بغرض التصحيح، وقد تصرف لهم أدوية خاصة لعلاج هذه المشكلات، ومع ذلك يظل الطفل فاقداً لاحترامه لذاته، وتضعف ثقته بنفسه ويتعثر دراسياً مقارنة بأقرانه في نفس المستوى الأكاديمي، ولكن يبدو أن السر وراء هذه الاضطرابات هو أنها علامة على خطوة خاطئة في نموهم أكثر من أن تكون مرضاً أصابهم.
في كتابها المعنون «نحو الدماغ والتعلم» تذهب د.ميلودي ديجاغر إلى أنه بعد سنوات من التدريس والعلاج نتساءل هل يمكن الوقاية من بعض هذه المشكلات، إذا عرفنا كيف نحدد نشأتها، ومن خلال الأبحاث المكثفة أمكن التوصل لنتيجة مثيرة فوفقاً للدكتورة ديجاغر فإن الملوم في ذلك هو الانعكاسات البدائية Primitive Reflexes فهي المسؤولة عن كثير من المشكلات التي يصادفها أولياء الأمور بدءاً من عدم وصول الطفل إلى معالم النمو الطبيعية وصولاً إلى سلوكه غير المناسب لعمره.

دماغ الانعكاسات
يولد الطفل ولديه انعكاسات (استجابات) ضرورية للمحافظة على بقائه وتشمل التنقيب والامتصاص والتي تتيح له الرضاعة وكذلك انعكاسات أخرى تسبب الحركات اللاإرادية استعداداً للحياة خارج رحم الأم، بعض هذه الانعكاسات موجودة حتى قبل الولادة، وذلك لإعداد الرضيع لشق طريقه عبر قناة الولادة Birth Canal.
يعتمد الطفل على هذه الانعكاسات قبل ولادته ولعدة شهور بعد ذلك، حتى يستطيع العقل المفكر تولي مقاليد الأمر، ويجعل الطفل يمارس حركاته الإرادية وينمو عاطفياً واجتماعياً، وعقلياً، ولكي يحدث كل ذلك على الانعكاسات البدائية أن تتوقف عن العمل لأنها قد حققت الغرض منها، واستنفدت الدور المنوط بها، لأنها لو استمرت نشطة لفترة أطول فإنها ستعيق النمو الطبيعي للطفل.
على سبيل المثال إذا لم يتوقف انعكاس التنقيب والامتصاص، فإن الطفل قد يعاني صعوبة في تطور النطق، أو قد يصبح مضطرب الحركة أثناء الأكل، أو قد يظل ممتصاً لإبهامه لوقت أطول، مثل هذا الطفل قد يكون غير ناضج عاطفياً وفي حاجة دائمة لمن يطمئنه، بالمثل إذا لم تتوقف بعض الانعكاسات العضلية المبكرة فإن الطفل قد يعاني عند الزحف أو عند المشي، أو قد يصاب بحالة من عدم التآزر تجعل من الصعب عليه الجري أو القفز، وحتى القراءة والكتابة.

علاقة ذلك بالنمو
بلوغ معالم النمو مثل قدرة الطفل على أن يتدحرج، أو يجلس، أو يحبو، أو يمشي وكذلك نمو حواسه، يعتمد على التفاعل بين السلوكيات الانعكاسية الأساسية، وتلك التي يتعلمها كاستجابة للمنبهات المختلفة والتي ينتج عنها تكوين توصيلات في الدماغ Brain Connections وكلما تكونت هذه الوصلات بعد ممارسات كثيرة فإن الانعكاسات قد تذهب إلى حال سبيلها، فهناك ما يقوم بعملها.
هذا يتيح للطفل أن يصل إلى الخطوة التالية في نموه، لأن كل توصيل (وصلة) جديدة في الدماغ تخلق مسارات للخطوة التالية في معالم نمو الطفل. وهذا الأمر له أهميته في أن تستريح هذه الانعكاسات البدائية وتختفي حتى يستمر النمو في سياقه الصحيح، ومن المهم أيضاً ألا يتجاوز الطفل أي خطوة من خطوات ومعالم هذا النمو، فإذا تم إغفال التوصيلات الصحيحة في الدماغ، فقد يعاني الطفل من صعوبات لاحقة، مثل: ألا يحبو على أربع (ويزحف بشكل خاطئ) قبل المشي، وقد يسبب ذلك مشكلات تتعلق بوضعية قامة الطفل، وقدرته على التحكم والتوازن، وضعف التآزر بين العين واليد، وصعوبة استخدام أدوات الطعام أو الأقلام، ورغم هذا قد يكون طفلك محظوظاً ولا تستمر معه الآثار المدمرة من هذا النوع.

تدريب الدماغ
كيف نتأكد أن دماغ الطفل به توصيلات صحيحة؟ ترى الدكتورة ديجاغر أن بعض التحفيز قد يساعد على تكوين موصلات حيوية بين خلايا الدماغ تتيح للطفل بلوغ معالم النمو في إطار زمني مناسب وفي السياق الصحيح.
وقد شرحت المؤلفة في كتابها مجموعة من تقليد حركات الطفل الانعكاسية، وكيفية تنبيه وتحفيز الطفل على أن يشرك كل حواسه، والأمر لا يحتاج إلى معدات أو أجهزة خيالية، وإنما يحتاج إلى أمور بسيطة مثل: تدليك الطفل، أو الغناء له، أو الرقص بشكل فيه مرح، وتشجيع الطفل على استكشاف العالم من حوله، فهذا جزء مهم من التعلم والنمو، ويعني ذلك إتاحة حرية الحركة أمامه لكي يتمكن من تمديد أطرافه، واستدارة رأسه، وتمكينه من نمو عضلاته بشكل كاف، حتى يتقلب، ويجلس، ويحبو، ويمشي، ولكن لا ترغمي طفلك على هذه الحركات لمدة طويلة.

إصلاح ذهني
ماذا لو أن طفلك ظهرت عليه بوادر الصعوبات في التعلم وفي السلوك؟ رأت د.ديجاغر من خلال بحثها أن الانعكاسات البدائية يمكن إيقافها حتى نصلح مسارات الدماغ لدى الأطفال الأكبر سناً، من الذين غفلوا عن بعض معالم النمو أو استكملوها ولكن بشكل يخرج عن الترتيب الصحيح لها.
على سبيل المثال يمكن إيقاف انعكاسات التنقيب والمص بتشجيع الطفل على لعق إحدى الدمى (بشرط أن تكون آمنة) أو بأن يضع إصبعه حول شفتيه فقط.
وبدلاً من جلسات العلاج المختلفة والأدوية التي قد تكون ضارة فإن هذه التمرينات البسيطة قد تكون هي كل ما تحتاجينه لكي يصل طفلك إلى استخدام كل إمكانياته، أليس الأمر أجدى بالمحاولة؟