lana magazine logo
advertising picture
  رئيس التحرير: يوسف الرفاعي

جوليان.. عازف القانون!

عليعلي الرفاعي
بقلم: علي الرفاعي 

منذ سنوات خلت وبدعوة كريمة من أحد الأصدقاء، ذهبت، كان الحضور رائعاً وكان كرم المضيف أكثر من رائع، حوار شيق وعشاء طيب. وبانتهاء العشاء فوجئنا بدخول بعض العازفين كلٌ يحمل آلة العزف الخاصة به.. وحين أخذت الفرقة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها الأربعة أماكنها، يقودها عازف آلة القانون، إلى جانبه ضارب رق، وآخر عازف على الناي، ومنشد، تبين لي من المشهد أنه تخت شرقي في وسط بلد أوروبي.

وحين بدأت الفرقة عزفها في هدوء القاعة شدني عازف القانون بعزفه الجميل الرائع وشكله الذي لا يمت إلى الشرق بصلة. طويل، نحيف، أشقر، ذو سحنة أوروبية. التفت إلى المضيف أسأله عمن يكون هذا! فبادلني بنظرة الهدوء والاستماع، وبعد انتهاء الوصلة الموسيقية الرائعة من هذا الرباعي الجميل تقدم قائد الفرقة مقدما نفسه: جوليان فايس. نظرت إليه وقلت جوليان! من أي بلد أنت؟ فقال: فرنسا.

قلت: فرنسي ويعزف على آلة القانون الشرقي هذا العزف الرائع.

ومنذ ذلك اليوم وجدت في رفقة ذلك الإنسان متعة لعزفه الجميل وأخلاقه الرائعة وأدبه الجم، ومن عشقه لآلة القانون عشق العرب ولكثرة تردده على المسجد الأموي يستمع إلى الموشحات ويتصيد صفوة المنشدين بعد كل صلاة، أحبّ الإسلام وآمن به والتزم.

أسس فرقة موسيقية شرقية ذات طابع إسلامي، هي للصوفية أقرب، فأطلق عليها اسم «الكندي» تيمناً بالعالم والفيلسوف الإسلامي (أبو يوسف بن إسحاق الكندي) ومن شدة عشقه للموسيقى العربية وخاصة المواويل والموشحات الحلبية والأندلسية كان يرتحل إلى الدول العربية وخاصة سورية ومصر والمغرب العربي إلى جانب تركيا يبحث عن الأصوات المتميزة الفريدة.

ونظراً لضيق ذات اليد كان يستضيف أصحاب تلك الأصوات في منزله الصغير في باريس حتى تتحسن أحوالهم من خلال ما يقيمونه من حفلات.
ذاع صيت هذه الفرقة الصغيرة حتى تخطى حدود فرنسا فما كان من جوليان هذا إلا أن أخذ فرقته الصغيرة وارتحل بها إلى بلجيكا وألمانيا وسويسرا حتى وصل بها إلى أميركا واليابان.

وبين فترة وأخرى كان يُطعِّم هذه الفرقة بعدد من العازفين والمنشدين والراقصين من تركيا ودول عربية حتى تجاوز عدد الفرقة في بعض الأحيان الثلاثين فرداً وأصبح بعضهم علامة من علامات الغناء العربي مثل «لطفي بوشناق» الفنان التونسي والشيخ حمزة شكور سيد الإنشاد الصوفي رحمه الله.

ولقد سعى جوليان من خلال فرقته هذه بالتقريب بين الأديان بأداء أناشيد وموشحات دينية يؤديها منشدون من أديان وأعراق مختلفة ما بين مسلمين ومسيحيين وآشوريين تحكي قصة الأديان، وأحيا من خلال هذا النوع من الإنشاد عدة مهرجانات في دول مختلفة نالت نجاحاً كبيراً.

إن ما حققه هذا الفرنسي من انتشار للموشحات والموسيقى العربية الإسلامية لم يتمكن أن يحققه فنان عربي آخر، كما بلغ عدد مشاهدات مقطوعاته الموسيقية وأناشيده أرقاماً قياسية على (يوتيوب) وبوفاة جوليان في بداية عام 2015 توقف نشاط هذه الفرقة الرائعة وخسر العرب داعماً إعلامياً قوياً لموسيقاهم وإحياء تراثهم.

فهل نجد من يملأ فراغه؟
 

advertising picture

اقرأ أيضا