lana magazine logo
advertising picture
  رئيس التحرير: يوسف الرفاعي

حوار بين جيلين

عليعلي الرفاعي

كانت ليلة سعيدة تلك التي اجتمع فيها أفراد الأسرة يتحاورون، قلّ أن يحدث في زماننا هذا، كان حواراً تملؤه الصراحة بين أب وابنه، أب لايزال يعيش في عقلية الماضي التي نشأ عليها مع ما يعتريها من عصبية مردها إلى قسوة الحياة وشظفها ومعاملة الآباء والأجداد الجادة التي تركت فيه آثارها، وتعليم محدود لا يناله إلا الميسورون والمحظوظون في زمانه، وابنٍ نشأ وترعرع في بيئة وظروف غير ظروفه وبيئته، وحياة فيها من رغد العيش غير حياته، وجيل غير جيله، نشأ وترعرع وأصابعه تنقر على حروف الكمبيوتر والآيباد والتليفون النقال وأرقامه، إنه ينظر إلى الأب نظرة من ينظر إلى التاريخ، يحترمه لقدمه لا لصلاحيته، ويبجله دلالة على الزمن لا على رقيه وثقافته، أما الأب فإنه ينظر إلى ابنه نظرة الأمل الذي ضاع والسلطان الذي خرج الأمر من يده.

قال الأب: كم تعبت يا ولدي في تربيتك وعانيت الأمرّين في العناية بك، سهرت الليالي لمرضك وهجرت راحتي لراحتك، لقد ضيّقت على نفسي في الإنفاق لأوسّع عليك، وحرمت نفسي من اللذائذ لأوفرها لك.. لقد أنفقت مالي في تعليمك لتكون رجلاً يُعتمد عليه وترقبت نتيجة اختباراتك كل عام على وجل من رسوبك، وأغمضت عيني عن كل شيء من أجل راحتك، وحين شاب رأسي وضعفت قوتي وحين صرت كهلاً تهدر كل هذه التضحيات وتكافئ الجميل بالقبيح والإحسان بالجحود!

قال الابن: لقد أكثرت يا أبي من ذكر التضحية والإحسان، والجميل والمعروف، فهل فعلت شيئاً أكثر مما يجب عليك وعلى كل أب أن يفعله؟! إنك تفسد ما أديت من واجب بالمنّ به وتُذهب جمال التضحية بذكر اسمها، إنك تريدني أن أكون ذيلاً لك أتبعك في حركاتك وسكونك وميولك فهل هذا يتفق والطبيعة؟ إن زمني غير زمنك، وآمالي غير آمالك ونظرتي إلى الحياة غير نظرتك.. إن الثمرة إذا نضجت فارقت شجرتها.

إنني شاب أخضع لقوانين الشباب، ويجري في عروقي دم الحياة، يملؤني الأمل وتستهويني المغامرة، إنه من المحال أن تخضع إرادتي لإرادتك، وليس لك مني إلا احترامك وإجلالك والوقوف إلى جانبك، لابد لي أن أعيش حسب طبيعتي وشخصيتي وزمني وأملي حتى أحقق غرضي في الحياة لا غرضك لي فيها، ولأن أشكرك على أن تتركني أبحث عن عمل يتيح لي طرق أبواب المستقبل والحرية خير من أن تعاملني معاملة طفل كبير يحتاج إلى الرعاية دائماً. دعني يا أبي أتعلم السباحة في بحر الحياة كما تعلمتها أنت لأعينك في كبرك كما أعنتني في طفولتي، إن هذه هي سنة الحياة يا أبي.

دهش الأب من هذا الحديث الصريح الجريء وأطال التفكير، فانتهزت الأم فترة هذا السكوت وقالت لابنتها إن موقفي معك هو نفس موقف أبيك من أخيك.

ولنا لقاء.


advertising picture

اقرأ أيضا