lana magazine logo
advertising picture
  رئيس التحرير: يوسف الرفاعي

مواقف للطغاة - بقلم: علي الرفاعي

عليعلي الرفاعي

بقلم: علي الرفاعي

بين حين وآخر يُخرج لنا التاريخ أفذاذاً يصبغون الأرض بالدماء، أمثال هولاكو والحجاج وهتلر وصدام، ويتجلى الله عليهم باسم المنتقم الجبار فيقطعون الأرض طولاً وعرضاً، شرقاً وغرباً، يُخربون ويُدمرون ويُنكلون بمن يقف في سبيلهم أو تحدثه نفسه بصدهم، وقد جُرّدوا من ضمير مؤنب أو وجدان مشفق، يتلذذون بالدماء كما يتلذذ الجائع بالطعام، وكأن بينهم وبين الإنسانية ثأراً، يعتقدون أن الله أرسلهم ليدفعوا الظلم وينشروا في الأرض راية العدل.

ومن بين أولئك الأفذاذ كان تيمورلنك الذي كان له قلب أقسى من الحديد، لا تأخذه رأفة، ولا تلجه رحمة، سلطه الله على ممالك آسيا فأباد البلاد وأهلك الحرث والنسل وأزهق النفوس وكان كما قال عن نفسه: إن في قدمه ثلاثة أشياء «الخراب والقحط والوباء».

ولكن إلى جانب قسوته وغلظته تلك، فقد كانت له فراسة غريبة في الأشخاص، وكان يألف الأولياء والعلماء ويتلذذ في مجالستهم ورؤيتهم والتحدث إليهم ومناقشتهم، ويستمد البركة من الأولياء يزورهم ويطلب دعاءهم، وإذا ما فتح بلداً من البلاد دعا علماءها للمجادلة معهم.

وفي أحد الأيام سمع عن ولي من أولياء الله ذي كرامات ظاهرة، اسمه زين الدين أبوبكر الخوافي، فقصده ونزل عن فرسه ودخل عليه، وقام الشيخ له، فانحنى تيمورلنك على رجله يقبلها، فوضع الشيخ يده على ظهره، فشعر تيمورلنك وكأن حجراً قد وقع على ظهره فجلس في أدب وقال:

لِمَ لا تأمرون ملوككم بالعدل بين الرعية، فأجاب الشيخ: لقد أمرناهم فلم يأتمروا فسلطناك عليهم.

فرح تيمورلنك بهذه الإجابة وقال «ملكت الدنيا ورب الكعبة».

هذا هو موقف هذا الطاغية من الأولياء، كان يحترمهم ويطلب الدعاء منهم ويعتقد فيهم، ولكن موقفه من العلماء كان غير ذلك، إذ كان يتفرس فيهم مثل تفرس الأسد في فريسته، فمن زل منهم فإنه لا يرحمه، يلعب بهم كما يلعب القط بالفأر، يوجه إليهم الأسئلة المحرجة، وينتظر كيف يجيبون وكيف يخرجون من المأزق الذي وضعهم فيه، ثم هو بعد ذلك حسب مزاجه يبتسم أو يضحك، وربما يغضب، وأحياناً يقتل حسب الإجابة.

من ذلك، أنه لما فتح «حلب»، واستولى عليها، دعا علماءها وقضاتها، فانتخبوا من بينهم من يجيب عنهم وهو ابن الشحنة - أحد العلماء المشهورين، من أصل تركي - وحين انعقد المجلس قال تيمورلنك: بالأمس، ويقصد فتح حلب، قتل منا وقتل منكم، فمن الشهيد قتيلنا أم قتيلكم؟

فوجم الجميع وأحرج ابن الشحنة، أيقول قتيلكم فيكذب على ربه أم قتيلنا وهنا فإن سيف الطاغية أقرب إلى عنقه؟! ولكنه كان داهية ملهماً فقال:
جاء أعرابي إلى رسول الله، وقال: يا رسول الله إن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه، فأينا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد».

وكانت هذه الإجابة مريحة وقاصمة للطاغية ودليلاً على ذكاء ذلك الشيخ الذي أصبح من أقرب المقربين له.

ولنا لقاء

اقرأ أيضا

macadamia 300x250